الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الظالمين ، وأنا أنعى عليكم الثاني منهما فكيف أرضى لنفسي بالأول وهو شر منه ؟ وأي فائدة لي من هذا الاجرام العظيم وأنا أريد الاصلاح وأدعو اليه وأحتمل المشاق في سبيله ، وأعلم إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي لا يفوزون بمطلوبهم الذي يتوسلون اليه بالكذب والزور . وقد تقدم مثل هذا الاستفهام في ثلاث آيات من سورة الأنعام ( 6 : 21 و 39 و 144 ) وفي آية من سورة الأعراف ( 7 : 37 ) فراجع تفسيرهن في ج 8 تفسير ) * * * ( 18 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ، قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ هذه الآية في دحض شبهتهم على عبادة غير اللّه تعالى وهي الشفاعة وتقدم في الآية الثالثة بطلانها وإقامة الحجة على وجوب عبادة الرب الخالق المدبر وحده ، وصرح هنا باسناد هذا الشرك إليهم وباحتجاجهم عليه بالشفاعة ثم لقن رسوله الحجة على بطلان هذا الاحتجاج فقال وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ الكلام معطوف على ما قبله من بيان شركهم وسخافتهم فيه ، ومكابرتهم في جحود الحق الذي دعاهم اليه الوحي ، أي ويعبدون مالا يملك لهم ضرا ولا نفعا من الأصنام وغيرها من دون اللّه أي غير اللّه ، والمعنى أنهم يعبدونها حال كونهم متجاوزين ما يجب من عبادته وحده ، لا أنهم يعبدونها وحدها فما معنى كونهم مشركين إلا أنهم يعبدونه ويعبدون غيره ( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وفي وصفها بأنها لا تضرهم ولا تنفعهم إيذان بسبب عبادتها وضلالهم فيه وتذكير بأنه هو القادر على نفع من يعبده وضر من يكفره ويشرك بعبادته غيره في الدنيا والآخرة ، وأصل غريزة العبادة الفطرية في البشر في سذاجتهم التي لا تلقين فيها لحق ولا